الجواد الكاظمي
66
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
من بعدي ، وعدّ منها المنّ بعد الصدقة الحديث ، والحقّ أنّ العمل بمقتضى الإخلاص يقتضي أن لا يصدرا منه في شيء من الأوقات لأنّه إنّما دفعها قاصدا وجهه تعالى وما عداه غير ملحوظ فيها ، ومقتضى ذلك أنّه لا يقع منه منّ ولا أذى ، فإنّ ذلك إنّما يكون مع ملحوظيّة الغير [ لا مطلقا ] ولكنّ التخلَّص منهما بل من الرئاء والسمعة الَّتي هي الشرك الخفيّ في غاية الصعوبة . ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر حال الإنفاق مع المنّ والأذى والرئاء ذكر بعدها حال المخلصين في الإنفاق ليبيّن الحالتين وما بينهما من التفاوت فقال : « ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللهِ » طلبا لرضاه « وتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ » أي ليثبتوا بعض أنفسهم على الإيمان فإنّ المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه اللَّه فقد ثبت بعض نفسه عليه ، ومن بذل ماله وروحه فقد ثبّتها كلَّها عليه فمن على هذا تبعيضيّة ويحتمل كونها ابتدائيّة أي تصديقا للإسلام ، وتحقيقا للجزاء مبتدئا من أصل أنفسهم لأنّ المسلم إذا أنفق ماله في سبيل اللَّه علم أنّ تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه . وفيه تنبيه على أنّ حكمة الإنفاق للمنفق تزكية نفسه من البخل والمنّ وحبّ المال ويحتمل على الثاني أن يكون المعنى وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين بأنّها صادقة الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة بعضهم وتبيينا من أنفسهم لأنّ التبيين إنّما يكون عند المؤمنين . فمثل إنفاق هؤلاء « كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ » أي بستان في موضع مرتفع ولعلّ التخصيص بذلك لأنّ الشجرة فيها أزكى ثمرة وأحسن منظرا من الأسفل الَّذي يسيل الماء إليه ويجتمع فيه ، والأحسن أن يراد بالربوة الأرض الطيّبة الحرّة الَّتي تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر ، فإنّها إذا كانت كذلك كثر دخلها وكمل شجرها ، كقوله : « وتَرَى الأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ » ( 1 ) وإنّما كان هذا أحسن لأنّ المكان البعيد لا يحسن ريعة لبعده عن الماء وربّما تضرّ به الرياح ، كما أنّ الوهاد
--> ( 1 ) الحج : 5 .